محمد بن جرير الطبري
290
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فجعل الصفة لليل والنهار ، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه ، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به . وهذه الأَقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل ، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأَمة بخلافها ؛ فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها . وقد دللنا فيما مضى على معنى الخشية ، وأنها الرهبة والمخافة ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . يعني بقوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته والجاحدين نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، والمتقولين عليه الأَباطيل من بني إسرائيل وأحبار اليهود ، عما تعملون من أعمالكم الخبيثة وأفعالكم الرديئة ؛ ولكنه يحصيها عليكم ، فيجازيكم بها في الآخرة أو يعاقبكم بها في الدنيا . وأصل الغفلة عن الشيء : تركه على وجه السهو عنه والنسيان له ، فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة ولا ساه عنها ، بل هو لها محص ، ولها حافظ . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ يعني بقوله جل ثناؤه : أَ فَتَطْمَعُونَ يا أصحاب محمد ، أي أفترجون يا معشر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم والمصدقين ما جاءكم به من عند الله أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل ؟ ويعني بقوله : أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أن يصدقوكم بما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم محمد من عند ربكم . كما : حدثنا عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا لكم ، يقول : أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود ؟ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ الآية ، قال : هم اليهود . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . قال أبو جعفر : أما الفريق فجمع كالطائفة لا واحد له من لفظه ، وهو فعيل من التفرق سمي به الجماع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب وما أشبه ذلك ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : أجدوا فلما خفت أن يتفرقوا * فريقين منهم مصعد ومصوب يعني بقوله : مِنْهُمْ من بني إسرائيل . وإنما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعدهم من بني إسرائيل من اليهود الذين قال الله لأَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ لأَنهم كانوا آباؤهم وأسلافهم ، فجعلهم منهم إذ كانوا عشائرهم وفرطهم وأسلافهم ، كما يذكر الرجل اليوم الرجل وقد مضى على منهاج الذاكر وطريقته وكان من قومه وعشيرته ، فيقول : كان منا فلان ؛ يعني أنه كان من أهل طريقته أو مذهبه أو من قومه وعشيرته ؛ فكذلك قوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . القول في تأويل قوله تعالى : يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فقال بعضهم بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فالذين يحرفونه والذين يكتمونه : هم العلماء منهم .